ملتقى المحقق ماهر بديوي للانظمة

غسل الأموال عبر الوسائل الإلكترونية

المستشار الدكتور مراد رشدي

المؤتمر العلمي الاول حول الجوانب القانونية والأمنية للعمليات الإلكترونيةمنظم المؤتمر : أكاديمية شرطة دبي – مركز البحوث والدراسات تاريخ الإنعقاد : 26 /4/2003تاريخ الإنتهاء : 28/4/2003الدولة : دبي – الأمارات العربية المتحدة

تمهيد

ظهر اصطلاح (غسل الأموال) لأول مرة في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الإتجار غير المشروع في المخدرات والتي عقدت في فينا عام 1998 ، وقد نص في المادة الثالثة منها على أن غسل الأموال يتمثل إما في تحويل الأموال أو نقلها مع العلم بأنها من نتاج جرائم المخدرات، أو في إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال أو مصدرها أو في إكتساب أو حيازة أو استخدام الأموال مع العلم وقت تسليمها أنها من حصيلة جريمة من الجرائم المنصوص عليها في الإتفاقية.

وقد أصدرت لجنة العمل المالي لغسيل الأموال والمعروفة باسم F.A.T.F Financial action task force on money laundering التي أنشأتها قمة الدول الصناعية السبع عام 1989 أربعون توصية عام 1990 تضمنت ضرورة مكافحة ظاهرة غسل الأموال محليا ودوليا، وأهتمت بضرورة التوسع في الجرائم حصيلة الأموال المغسولة وعدم قصرها على أموال المخدرات فقط، بل يمكن أن تشمل – أيضا – كافة الجرائم الخطيرة التي يتحصل منها على قدر كبير من الأموال، وقد أكدت هذا الإتجاه توصيات المؤتمر الدولي لمنع ومكافحة غسل الأموال وإستخدام عائدات الجريمة والذي انعقد في إيطآليا عام 1994 واقترحت إدراج جرائم أخرى كتجارة الأسلحة والذخائر والسرقة والإبتزاز والإختطاف والإحتيال والتجارة غير المشروعة في الآثار وتجارة الرقيق الابيض والدعارة والقمار.

وفي عام 1999 عقد في العاصمة البريطانية لندن مؤتمر دولي حول مكافحة غسل الأموال عرض خلاله العديد من الإبحاث والقضايا ذات الصلة بهذه الظاهرة، كالعمليات التي قامت بها المافيا الروسية في جزر كوك ونادرو وساموه وفاتورواتو وفيدجي وتونجا، وما أثير من معارضي فكرة غسل الأموال بدعوى أن علم الإقتصاد لا يفرق بين المال الرديء والمال الجيد بل جميعها يدخل في مفهوم المال، فلا يمكن أن يطلق على ورقة مالية بأنها رديئة وورقة أخرى على أنها جيدة، بل كل هذا المال يدخل في التعامل ويكون مادة صالحة للشراء والبيع .

وغسل الأموال يقصد به ببساطة إخفاء مصدر المال الإجرامي وظهوره بمظهر المال الناتج عن عمليات مشروعة، وقد بلغ حجم الأموال المغسولة في العالم في الآونة الأخيرة ثلاثمائة مليار دولار.

وحتى عام 1986 لم يتصد المشرع الأمريكي لجرائم غسل الأموال على نحو مستقل بل كان يجرمها من خلال النصوص التي تعاقب على مخالفة قيود الإخطار عن التعاملات النقدية التي تزيد على مبالغ معينة والتي نص عليها قانون سرية حسابات البنوك. ثم وافق الكونجرس الأمريكي عام 1986 على أول قانون لتجريم غسل الأموال هو (قانون الرقابة على غسل الأموال) الذي أكد على المسؤولية الجنائية لكل شخص يقوم بتعامل مالي مع علمه بأن مصدر المال هو نشاط غير مشروع، ثم صدرت عقب ذلك عدة تشريعات ذات صلة هي قانون مكافحة إساءة استعمال المواد المخدرة عام 1988، وقانون مكافحة غسل الأموال عام 1992، وقانون قمع غسل الأموال عام 1994، وقانون قمع الإرهاب عام 1996 وقانون التأمين الصحي عام 1996، وأصبح بمقتضى هذه القوانين للمؤسسات المالية الحق في طلب معلومات إضافية من الاشخاص الذين يشترون الشيكات والشيكات السياحية وأوامر الدفع إذا كانت قيمتها ثلاث آلاف دولار أو أكثر.

وفي المانيا كان العقاب على جرائم غسل الأموال يتم من خلال النصوص التي تجرم أفعال المساعدة اللاحقة وإخفاء الأشياء المسروقة وإعاقة سير العدالة، إلا أن المشرع الألماني تدخل بإضافة مادة جديدة عام 1952 إلى قانون العقوبات هي المادة 261 وخصصها لمكافحة الإتجار غير المشروع في المخدرات وغيرها من صور الجرائم المنظمة وأدخل عليها تعديلات في أعوام 1993، 1994، 1995 وفي نهاية المطاف تدخل المشرع بقانون خاص لمكافحة غسل الأموال عام 1998.

وقد تبنى القانون النموذجي الصادر عن الأمم المتحدة عام 1955 اتجاهين خرج بهما على القواعد العامة في النظرية العامة للجريمة، أولهما هو تجريم الأعمال التحضيرية بنصه في المادة 23 منه على أن (الأعمال التمهيدية والعمليات التمويلية التي يتم تنفيذها عن عمد وترتبط بالجرائم السابق ذكرها في المادة 20 يجب أن يعاقب عليها بنفس طريقة العقاب على الجريمة نفسها). وثانيهما أنه عاقب على الشروع في الجريمة بذات العقوبة المقررة للجريمة التامة، فنص في المادة 21 منه على أن (محاولة ارتكاب أي من الجرائم المذكورة في المادة 20 سوف يكون عقوبتها بنفس عقوبة الجريمة التامة). وقد كانت اتفاقية فينا عام 1988 قد اخذت بذات الإتجاه الأخير، وساير المشرع المصري – أيضا – هذه النظرية ونص في المادة 14 من القانون رقم 80 لسنة 2002 على المساواة في العقاب بين الجريمة التامة والشروع.

وجريمة غسل الأموال من الجرائم ذات الأبعاد المتعددة وتكمن صعوبة البحث فيها إلى أنها تعد حاليا من أخطر الجرائم المنظمة دوليا، ولا يمكن الفصل في بحثها بين البعد الداخلي والبعد الدولي بل لا بد من الاهتمام بالبعدين معا، حتى يمكن مواجهة كافة صورها ووضع الحلول المناسبة لمحاصرتها. ولن نتناول في هذا البحث كافة جوانب جريمة غسل الأموال بل نقصر الكلام فيها عن السلوك الإجرامي الذي يمارسه الجناة في ارتكاب هذه الجريمة وذلك من خلال فصلين متتاليين هما :

الفصل الاول: السلوك الإجرامي لغسل الأموال.
الفصل الثاني: مواجهة غسل الأموال جنائيا.

الفصل الاول
السلوك الإجرامي لغسل الأموال

1.
تمهيد:

جاء في المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون مكافحة غسل الأموال المصري أنه (في ظل تدويل الإقتصاد العالمي، ونحو فعالية أسواق المال الدولية، أصبح من اليسير انتقال رؤوس الأموال عبر الدول، وقد حمل هذا في طياته تنافس حركة الجريمة الإقتصادية المنظمة وتزايد حركة تداول المنظمات الإجرامية على المستوى الدولي والمحلي بهدف تغيير صفة الأموال التي تم الحصول عليها بطرق غير مشروعة وإعادة تدويرها في مجالات وقنوات استثمار شرعية تبدو كما كانت قد تولدت عن مصدر مشروع).

ولا شك أن غسل الأموال يؤدي إلى آثار اقتصادية سلبيية مباشرة وغير مباشرة وعلى وجه الخصوص في الدول النامية ولعل ابرزها عدم استقرار سعر الصرف وسعر الفائدة نتيجة صعوبة تسجيل المتحصلات من عمليات غسل الأموال ضمن حسابات الناتج القومي والتي يترتب عليها بالضرورة دخول بيانات نقدية مضللة تؤدي إلى صعوبة وضع خطط فعالة للتنمية الإقتصادية، وتؤدي عمليات غسيل الأموال من ناحية اخرى إلى تعميق التفاوت بين الطبقات وعدم استقرار اسواق المال ونقص العملات الاجنبية وإنخفاض الإنتاج القومي، وتفاقم مشكلة البطالة ذلك لأن الأموال المغسولة تبحث عن الربح السريع فلا تخلق فرص عمل مستديمة.

والسلوك الإجرامي هو أحد عناصر الركن المادي للجريمة، ويقوم على عنصرين أولهما الحركة العضوية وثانيهما الصفة الإدارية والعنصر الأول له كيان مادي يستبعد مجرد العزم أو التصميم على الإعتداء على المصلحة التي يحميها المشرع الجنائي ويؤدي في نظر الجاني إلى تحقيق النتجية الإجرامية التي يبتغيها. والعنصر الثاني هو الإدارة وهي قوة نفسية مدركة تسيطر على الحركة العضوية وتوجهها إلى تحقيق نتيجة محددة. ويختلف السلوك الإجرامي من جريمة إلى جريمة أخرى بحسب طبيعتها، ويتطور هذا السلوك بتطور الحياة، فلم يعد محكوما بقواعد جامدة أو بأسلوب تقليدي بل واكب التطور المذهل في التكنولوجيا في مختلف المجالات إلى تطور أسلوب الجناه في إرتكاب الجريمة، وبعد أن كان فعل الجاني يتمثل في المساس المباشر بمحل الجريمة أصبح من المتصور أن يمارس الجاني هذا الفعل عن بعد ويحقق النتائج الإجرامية التي يبتغيها دون صلة مادية مباشرة بالحق المعتدى عليه.

وجريمة غسل الأموال ذات الطابع الدولي، اتجه مرتكبوها إلى ممارسة السلوك الإجرامي التقليدي والسلوك الإجرامي الحديث الذي يواكب تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مما يمكن أن نطلق عليه السلوك الإجرامي الإلكتروني، وهو ما نتعرض لبحثهما على النحو الآتي:


المبحث الاول : السلوك الاجرامي التقليدي.
المبحث الثاني: السلوك الإجرامي الإلكتروني

المبحث الاول
السلوك الإجرامي التقليدي

2.
نصوص :

نصت المادة الأولى فقرة (ب) من القانون رقم 80 لسنة 2002 بإصدار قانون مكافحة غسل الأموال المصري على أن غسل الأموال هو (كل سلوك ينطوي على إكتساب أموال أو حيازتها أو التصرف فيها أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو ضمانها أو إستثمارها أو نقلها أو تحويلها أو التلاعب في قيمتها إذا كانت متحصلة من جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة (2) من هذا القانون مع العلم بذلك متى كان القصد من هذا السلوك إخفاء المال أو تمويه طبيعته أو مصدره أو مكانه أو صاحبه أو صاحب الحق فيه أو تغيير حقيقة أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك أو عرقلة التوصل إلى شخص من ارتكب الجريمة المتحصل منها المال).

كما نصت المادة الثانية من هذا القانون على انه (يحظر غسل الأموال المتحصلة من جرائم زراعة وتصنيع النباتات والجواهر والمواد الخدرة وجلبها وتصديرها والإتجار فيها، وجرائم اختطاف وسائل النقل واحتجاز الأشخاص، والجرائم التي يكون الإرهاب – بالتعريف الوارد في المادة 86 من قانون العقوبات – أو تمويله من بين أغراضها أو من وسائل تنفيذها، وجرائم استيراد الأسلحة والذخائر والمفرقعات والإتجار فيها وصنعها بغير ترخيص، والجرائم المنصوص عليها في الابواب الاول والثاني والثالث والرابع والخامس عشر والسادس عشر من الكتاب الثاني من قانون العقوبات . وجرائم سرقة الأموال واغتصابها، وجرائم الفجور والدعارة، والجرائم الواقعة على الاثار، والجرائم البيئية المتعلقة بالمواد والنفايات الخطرة، والجرائم المنظمة التي يشار إليها في الاتفاقيات الدولية التي تكون مصر طرفا فيها، وذلك كله سواء وقعت جريمة غسل الأموال أو الجرائم المذكورة في الداخل أو الخارج بشرط أن يكون معاقبا عليها في كلا القوانين المصري والاجنبي.

3.
تحليل : من خلال تتبع نصوص قانون مكافحة غسل الأموال المصري تتوافر الملاحظات الآتية:

1.
إن جريمة غسل الأموال تفترض بالضرورة وقوع جريمة سابقة عليها هي الجريمة التي تحصل منها المال المراد غسله وهو بمثابة ركن مفترض في جريمة غسل الأموال وهو ارتكاب جريمة أولية يعقبها جريمة تابعة .

وقد يثار في هذا المجال ما إذا كانت الأموال المتحصلة من الجريمة الأولية هي مجرد أثر من آثارها ونتيجة طبيعية لها ومن ثم فإنها تتحد معها ولا يمكن تجريمها بجريمة مستقلة وإنما توقع عقوبة واحدة بإعتبارها جريمة واحدة، إلا أن هذا القول مردود عليه بأن جريمة غسل الأموال لا تعتبر اشتراكا في الجريمة الاولى ولا مساهمة فيها، وانما هي جريمة مستقلة قائمة بذاتها ومنفصلة عنها، فالاثنتان جريمتان مستقلتان بأركانهما وطبيعتهما، وتعدد الجرائم التي يتحصل عنها المال المغسول لا يقتضي حتما تعدد جرائم غسل أموالها بل يجوز أن يكون فعل الغسل واحدا ولو كان موضوعه أموال متحصلة من جرائم متعددة من تلك التي نص عليها المشرع.

2.
أن المشرع المصري بدأ من حيث انتهى الآخرون، فوسع في نطاق الجرائم الناتج عنها المال المراد غسله ولم يقصرها على مجرد جرائم المخدرات وتوابعها ولكنه أدخل فيها جرائم اخرى مستهديا في ذلك بالاتفاقيات الدولية المتتابعة ذات الصلة ومعيارها الجرائم الخطيرة الناتج عنها أموال قذرة طائلة والتي تكون هدفا للجناة لغسلها وإخفاء مصدرها غير المشروع وهو سلوك محمود من المشرع، وقد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة أن المشرع المصري قد حدد الجرائم الأولية على سبيل الحصر، إلا أن النص ترك المجال مفتوحا لدخول طائفة أخرى من (الجرائم المنظمة التي يشار إليها في الاتفاقيات الدولية التي تكون مصر طرفا فيها) واشترط أن تكون هذه الجرائم معاقبا عليها في كلا القانونين المصري والأجنبي.

3.
أن جريمة غسل الأموال هي جريمة عمدية ولا يتصور أن ترتكب بطريق الخطأ أو الإهمال فقد اشترط المشرع المصري ان يكون مرتكب الجريمة (عالما) بأن الأموال المغسولة محل جريمة من الجرائم التي عددها المشرع، وتقوم الجريمة في مجال ركنها المعنوي على القصد الجنائي العام الذي يتمثل في العلم والإدارة، فلا بد أن يعلم الجاني أن الأموال المغسولة متحصلة من أحدى الجرائم الأولية المنصوص عليها واتجاه إرادته إلى تطهيرها. وبالإضافة إلى هذا القصد العام فإننا نذهب إلى أن المشرع تطلب – أيضا – توافر قصد خاص لدى الجاني يتمثل في نية إخفاء المال أو تمويه طبيعته أو مصدره أو مكانه أو صاحبه أو صاحب الحق فيه أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك أو عرقله التوصل إلى شخص من ارتكب الجريمة المتحصل منها المال .



4.
صور السلوك الإجرامي:

عدد المشرع المصري صور السلوك الإجرامي في جريمة غسل الأموال على نحو جامع لكل ما يتصور عملا قيام الجاني به في مجال هذه الجريمة وهي:

1.
اكتساب أو حيازة أو التصرف أو إدارة أو حفظ أو استبدال أو إيداع أو ضمان أو إستثمار الأموال المتحصلة من احدى الجرائم التي نص عليها المشرع، وهي صور من السلوك نصت عليها اتفاقيات دولية لمكافحة جرائم غسل الأموال، اقترنت بضرورة العلم بمصدر الأموال محل هذا السلوك، وطبقا للنظرية العامة للجريمة فإنه يتصور وقوع هذه الأفعال بالمساهمة التبعية للجريمة في إحدى صور الإشتراك في الجريمة.

2.
نقل أو تحويل الأموال مع العلم بأنها متحصلة من جريمة، اما عن نقل المال فيقصد به الحركة المادية التي تنقل المال من مكان إلى مكان اخر، وقد يكون هذا النقل داخليا في اطار الحدود الإقليمية للبلد الواحد، كما قد يكون وهو الغالب الأعم عبر الحدود إلى دول اخرى قد تكون مجاورة أو بعيدة وتتخذ هذه الصورة الأموال الهاربة من الرقابة على التعامل بالنقد الاجنبي أو لاسباب استثمارية أو لغير ذلك. أما تحويل الأموال فإنه يتمثل في أجراء عمليات مصرفية أو غير مصرفية سواء عن طريق مؤسسات مالية رسمية كالبنوك أو مؤسسات مالية غير رسمية يكون الغرض منها في كل الأحوال تحويل المال إلى شكل اخر سواء من عُمْلَه محلية إلى عُمْلَه عالمية أو من عُمْلَه إلى منقول ثمين، أو غير ذلك من الاشكال التي تؤدي إلى قطع الصلة الظاهرة بين المال ومصدره حتى يبدو كما لو كان مالا ناتجا عن مصدر اخر غير الجريمة.

المبحث الثاني
السلوك الإجرامي الإلكتروني

5.
تمهيد: مع التطور المذهل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فإن الجرائم المنظمة التي تتسم بالطابع الدولي تستغل هذا التطور في ابتكار اسآليب جديدة للسلوك الإجرامي يتمكن من خلاله الجناة من ارتكاب جرائمهم وهم بمنأى عن المراقبة والمتابعة والضبط، وهو الامر الذي يؤدي إلى صعوبة دور الجهات المكلفة بضبط الجرائم وتتبع مرتكبيها. ولم تكن جريمة غسل الأموال بمنأى عن هذا التطور بل تطور السلوك الإجرامي للجناة فيها، ومن أهم صور هذا السلوك هو الإستعانة بالوسائط الإلكترونية في غسل الأموال ويظهر ذلك من المراحل التي تمر بها هذه الجريمة على النحو التالي:

المرحلة الاولى: مرحلة الإيداع Le placement

وهي المرحلة التي تلي الحصول على الأموال القذرة من الجرائم التي نص عليها المشرع. وهي مرحلة ركود للمال، ويقصد به وضعه في مكان معين لفترة معينة من الزمن يقصد به وضعه في مكان معين لفترة معينة من الزمن بقصد توافر فكرة نسيان مصدره، وقد يكون سلوك الجاني في هذه المرحلة متمثلا في فتح حساب أو حسابات بنكية باسم حقيقي أو مستعار وشراء اسهم في مؤسسات تجارية أو مالية وعلى وجه الخصوص الاسهم لحامله التي لا تشير إلى اصحابها ومن ثم إلى مصادرها، أو شراء منقول أو عقار له قيمة كبيرة والاحتفاظ به لفترة من الزمن قبل التصرف فيه.

وتقدير الفترة الزمنية التي يتطلبها ركود المال أمر تحكمه الظروف ويختلف من حالة إلى اخرى ومن بلد إلى آخر، إلا أن المال يظل متربصا باللحظة المناسبة التي يتحرك فيها إلى المرحلة التالية دون إمكانية تتبعه أو ضبطه.


المرحلة الثانية: التكديس L'empilage

وفيها يخرج المال القذر من مكمنه، ويدخل في المرحلة الثانية أو كما يقال عنها مرحلة الغسيل الأولى وذلك بوضع المال في مشروعات قد تكون حقيقة كمشروعات عقارية ضخمة كالقرى الساحلية أو شركات وهمية في البلاد التي لا تفرض قيودا على حركة رأس المال بحيث يصعب تتبع مصدر أموالها .

وهذه المرحلة يقصد من خلالها تضليل الجهات الرقابية عن مصدر الأموال غير المشروع بإتخاذ أسلوب التمويه أو التعتيم، ويمكن أن يتم ذلك عند القيام بأعمال مصرفية معقدة ينتقل بها المال عن بعد من حساب إلى حساب اخر ومن مصرف إلى مصرف اخر ومن قارة إلى قارة اخرى آليكترونيا، ويذكر ان احد الاشخاص من محترفي برامج الحاسب الآلي تمكن من تصميم برنامج يتم فيه تحريك الحساب المودع في احد البنوك إلى حساب اخر، ومن بنك إلى بنك اخر عبر القارات الخمس، يعمل تلقائيا كل ربع ساعة ولمدة ثلاث سنوات هي الحد الاقصى لعقوبة جريمة غسل الأموال في بلده فيما لو ضبط، بحيث يبدأ العمل فور ضبطه ولا يمكن ايقاف البرنامج إلا بشفرة خاصة يحتفظ بها.


المرحلة الثالثة: الإندماج L'in te'. Gration
وهي المرحلة الاخيرة في عملية غسل الأموال أو هي مرحلة غسل الأموال الثانية والأخيرة، وفيها يندمج المال القذر في الأموال المشروعة ويدخل في مجال الإقتصاد القومي، ويتخذ مظهرا قانونيا مشروعا، وعلى سبيل المثال فإن المشرعات التي سبق إخفاء المال فيها في المرحلة الأولى يتم بيعها وتصبح ظاهريا أموالها مشروعة ذلك أن حصيلة مشروعات حقيقية، والرصيد الذي ينتقل من مصرف إلى اخر ومن مكان إلى اخر تتوقف حركته ويخرج إلى حلبه الاقتصاد على اساس انه حصيلة اعمال تجارية مصرفية.

6.
الأساليب الحديثة لغسل الأموال:

كما قدمنا اتجه الجناة إلى استخدام الوسائط الإلكترونية لارتكاب جريمة غسل الأموال لتطيهر المال من مصدره غير المشروع والدخول به في دائرة الأموال المشروعة، ويمكن بإستخدام هذه الوسائط تحريك المال عن بعد في مختلف مراحل غسل الأموال سواء في مرحلة فتح الحساب في أحد المصارف على سبيل المثال عن طريق الحاسب الآلي مستعينا بشبكة الإنترنت مع اختيار اسم مستعار أو شفرة أو رموز معينة، ثم يحرك المال من مكان إلى مكان حتى لا تتمكن أي جهة كانت من تتبعه ثم يكدس المال في مشروعات وهمية بأن يعلن على شبكة الإنترنت عنها ويفتح باب المساهمة العامة عن طريق اسهم محددة القيمة تدخل إلى حساب المشروع إلكترونيا عن طريق فتح صفحة خاصة Side لتلقي هذه الأموال التي تدخل إليه مختلطة بأمواله غير المشروعة فتغسلها جزئيا ثم يعلن بعد مرور وقت معين عن تصفية هذا المشروع زعما بتعرضه لخسائر ويعيد توزيع الحصص على أصحابها مع هامش الفائدة المتفق عليها، ويسحب أمواله القذره على هذه المرحلة باعتبارها ناتجا عن مشروع، ويبدأ في المرحلة الثالثة والأخيرة في استثمار هذا المال في مشروعات حقيقية تدخل في دائرة الاقتصاد القومي، ويمكن تصور القيام بهذه الامور من خلال الاستعانة بما يلي:
1.
وساطة البنوك: وهي الطريقة الأكثر شيوعا في مجال غسل الأموال سواء بالطريقة التقليدية أو بالطريقة الإلكترونية، وتبدأ طبقا لمراحل غسل الأموال المتعارف عليها بالإيداع وتنتهي بالاستثمار.

‌أ- الايداع: وتسبق هذه المرحلة، مرحلة أخرى مفترضة وهي فتح حساب وهناك بعض الأنظمة التي تتبعها البنوك بإمكانية فتح الحساب إلكترونيا عن طريق الدخول على شبكة الإنترنت، بملء إستمارة حدد نموجها البنك ويمكن التوقيع عليها إلكترونيا، وفيها يختار العميل ما يشاء من أسماء حقيقية أو وهمية أو حتى مجرد رموز سواء اكانت رقمية أو حروف وتنتهي عملية فتح الحساب عند هذا الحد، وقد لا يقتصر الأمر على فتح حساب واحد فقط بل قد تتعدد الحسابات البنكية في بنوك مختلفة ودول مختلفة.

ومرحلة الإيداع الآليكتروني قد لا تتناسب مع غسل الأموال ذلك ان هذا النوع من الإيداع يتم بمبالغ ضئيلة لا تتناسب مع حجم المال المغسول، لذلك فإنه في الغالب الأعم يتم الإيداع بالطريق المختلط التقليدي والإلكتروني معا.

‌ب- أستثمار الأموال القذرة: ويلاحظ أنه بمجرد إيداع الأموال القذرة في البنوك، فإن البنوك تساهم بصورة أو بأخرى في غسلها دون أن يتوافر لها حقيقة مصدرها، ذلك ان البنوك بحسب طبيعة نشاطها تستثمر أموال المودعين في مشروعات مختلفة تدر عليها أرباحا تستطيع من خلالها أن تؤدي للعملاء الفوائد المتفق عليها، ومن ثم فإن الأموال القذرة تختلط مع أموال المودعين على وجه العموم ويتم استغلال المال كوحدة واحدة في الاستثمار.

ومع ذلك فإن مودع الأموال القذرة قد يستثمرها طبقا للانظمة التي يضعها البنك، وذلك بطلب قروض بضمان هذه الودائع وهو امر يدر على البنك ربحا حاصله الفرق بين فائدة الإيداع وفائدة الإقراض، ولا يشترط بطبيعة الحال أن يتم الاقتراض من ذات البنك الذي اودع فيه المال المغسول، بل يمكن طلب القرض من بنك اخر بضمان الوديعه، وقد يكون هذا البنك في دولة اخرى غير دولة البنك المودع لديه، والأموال المقترضه هي بطبيعة الحال أموالا نظيفة يمكن من خلالها الاشتراك في مشروعات أو شراء ممتلكات تبدو في صورة مشروعة تماما.

‌ج- السحب الإلكتروني: ويمكن لصاحب الحساب أن يحصل من البنك المودع لديه على كارت ممغنط يستطيع بموجبه أن يسحب الأموال إلكترونيا من اي مكان في العالم، والذي يحدث عملا أن غاسل الأموال إذا وضع ماله بعملات محلية ليس لها سعر صرف مناسب بالقياس إلى العملات الإجنبية ذات الغطاء القوي كالدولار والاسترليني واليورو مثلا، فإنه يلجأ إلى الدول التي تتعامل بهذه العملات ويسحب أمواله إلكترونيا خارج الحدود دون مخاطرة تذكر والثانية أنه يمكن فتح حساب جديد في الخارج بعملة قوية ومصدر ظاهره مشروع.

‌د- التجارة الإلكترونية: تبعا لتطور تكنولوجيا الإتصالات والمعلومات فقد انتشرت في الآونة الاخيرة ظاهرة التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت وفيها لا يشترط تواجد اطراف العقد في المواجهة، ولا يشترط تنفيذ التزامات العقد في ذات المكان، وقد وافقت لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي UNCITRAL على نموذج لمشروع قانون موحد للتجارة الإلكترونية في 16 ديسمبر 1996، وعلى الرغم من ان المشرع لم يضع تعريفا محددا لمفهوم التجارة الإلكترونية والتي تتم بواسطة نقل المعلومات بين جهازين للحاسب الآلي وفقا لقواعد معينة متفق عليها سواء بالنسبة للعرض أو الطلب أو التعاقد أو التنفيذ .

وفي مشروع قانون التجارة الإلكترونية المصري جاء في مادته الأولى تعريف للتجارة الإلكترونية بأنها (كل معاملة تجارية تتم عن بعد باستخدام وسيلة إلكترونية). وقد فرض المشرع على المعلن بطريق التجارة الإلكترونية التزامات محددة ببيان أسمه وعنوانه والسلعة أو الخدمة أو القيمة وقيمة الجمارك التي تحصل عليها ومكان وتاريخ التسليم وجهة اعتماد التوقيع الإلكتروني.

ولا شك أن أحد الأساليب المتبعة في غسل الأموال هي وسيلة التجارة الإلكترونية ولا نقصد بذلك مجرد الحصول على سلع استهلاكية، بل المقصود بذلك عقد الصفقات المالية الضخمة مع الشركات الكبرى ثم إعادة طرحها في الاسواق، كصفقات السيارات أو العقارات أو المعادن الثمينة على سبيل المثال .

الفصل الثاني
مواجهة غسل الأموال جنائيا

7.
تمهيد: قبل صدور قانون مكافحة غسل الأموال المصري عام 2002 لم تكن هناك نصوص عقابية خاصة تواجه هذه الجريمة مباشرة، وإنما كانت تطبق نصوص متفرقة في قانون العقوبات وقانون المدعي العام الاشتراكي وقانون الكسب غير المشروع، إلا انه مع تزايد حجم غسل الأموال الذي قدر كحصيلة للاتجار في المخدرات بنحو 7.5 مليار جنيه مصري سنويا، ومن الفساد الإداري بنحو 2.5 مليار جنيه مصري . وقد وقفت عدة عقبات دون صدور قانون مكافحة غسل الأموال لعل أهمها قانون سرية الحسابات البنكية رقم 205 لسنة 1990، ذلك أن ايداع الأموال في البنوك هي اول مرحلة من مراحل غسل الأموال، والسرية التي يضمنها هذا القانون هي المجال الوحيد الذي يعمل في ظله غاسل الأموال ووقف المشرع المصري يواجه مصلحتين متعارضتين، الأولى هي مصلحة اقتصادية هامة إذ أن سرية الحسابات البنكية تؤدي إلى اطمئنان العملاء على أموالهم وعدم المساس بها مما يشجع الإستثمار المحلي والدولي، فضلاً عن أن السهولة واليسر في الإجراءات البنكية يؤدي إلى جذب رؤوس الأموال، أما المصلحة الثانية فهي مصلحة اقتصادية - أيضا – ولا تقل أهمية عن الأولى ذلك أن سرية الحسابات البنكية تخلق جوا مناسبا لغسل الأموال، اذ أن من أهم شروط هذه الجريمة هو السرية، والقاعدة أن رؤوس الأموال القلقة الباحثة عن الشرعية لا تَبْني اقتصادا ولا تحقق تنمية اقتصادية حقيقية، حيث لا يهتم غاسلوا الأموال بالجدوى الإقتصادية للاستثمار قدر اهتمامهم بالتوظيف الذي يسمح بإعادة تدوير تلك الأموال، كما تؤثر عمليات غسل الأموال بالسلب على استقرار أسواق المال الدولية وتهدد بانهيار الاسواق الرسمية التي تعد حجر الزاوية في بناء اقتصاديات الدول . ومن ثم فإن المصحلة تقتضي كشف سرية الحسابات البنكية وتتبع الأموال المشبوهة ومطاردتها بعيدا عن دائرة الاقتصاد القومي.

وكان لا بد أن يواجه المشرع المصري جريمة غسل الأموال على نحو مستقل خاصة أن التشريعات ذات الصلة بمحاربة الأموال المتحصلة من مصادر غير مشروعة غير كافية لهذه المواجهة، فالقانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع الذي فرض على الخاضعين لأحكامه تقديم اقرارات ذمة مالية بصفة دورية يحدد فيها الأموال بكافة صورها التي يمتلكها ومصدر حصوله عليها، وافتراض أن الكسب متحصل من مصدر غير مشروع في كل زيادة في ثروة الخاضع تطرأ بعد تولي الخدمة أو قيام الصفة وعلى زوجه أو اولاده القصر متى كانت لا تتناسب مع مواردهم وعجز عن اثبات مصدر مشروع لها. وإذا كان القانون آنف البيان لم يتعرض لغسل الأموال إلا أنه بحالته التي صدر عليها يمكن ان يواجه هذه الجريمة جزئيا بحسبان ان القانون يواجه الأموال الناتجة عن مصادر غير مشروعة، وجريمة غسل الأموال تدخل ضمن هذه الطائفة تلقائيا دون حاجة إلى نص خاص.

ومن ناحية اخرى فإن قانون المدعي العام الاشتراكي رقم 34 لسنة 1971 المعدل بالقانون رقم 95 لسنة 1980 قد نص على جواز فرض الحراسة على أموال الشخص أو بعضها متى قامت الدلائل على ان تضخم أمواله قد تم بالذات أو بواسطة الغير بسبب تهريب المخدرات أو الإتجار فيها حتى ولو كانت هذه الأموال باسم زوجته أو أولاده القصر أو البالغين أو غير هؤلاء.

ويشتبه قانون المدعي العام الاشتراكي من هذه الزاوية مع ما اتجهت إليه اتفاقية فينا عام 1988 في شأن القانون النموذجي للامم المتحدة والتي استهلت مكافحة جرائم غسل الأموال من خلال الأموال المتحصلة من تجارة المخدرات . وقد حدد قانون المدعي العام الاشتراكي الاسباب التي تفرض على أساسها الحراسة وهي استغلال المنصب أو الوظيفة أو الصفة النيابية أو النفوذ، واستخدام الغش والتواطؤ أو الرشوة في تنفيذ عقود المقاولات أو التوريدات أو الاشغال العامة أو أي عقد إداري مع الحكومة أو الهيئات أو المؤسسات العامة أو الوحدات التابعة لها أو اي من الاشخاص الاعتبارية العامة، وتهريب المخدرات أو الإتجار فيها، الإتجار في الممنوعات أو في السوق السوداء، أو التلاعب بقوت الشعب، والاستيلاء بغير حق على الأموال العامة أو الخاصة المملوكة للدولة أو الاشخاص الاعتبارية.
وقد اتجه راي إلى كفاية قانون المدعي العام الإشتراكي لمواجهة أنشطة غسل الأموال ولكن العمل قد اثبت ان هذا القانون وإن كان يواجه هذه الانشطة الا انها مواجهة جزئية لا تكفي لمحاصرة هذه الظاهرة من كافة الاتجاهات، وكان لا بد من إصدار تشريع خاص بمكافحة جرائم غسل الأموال وتحصين الاقتصاد المصري من النتائج السلبية المترتبة عليها بعد ما اصبحت هذه العمليات تمثل ظاهرة عالمية تساعد المنظمات الإجرامية على اختراق وافساد الهياكل الاقتصادية والمؤسسات التجارية والمالي المشروعة والمجتمع بكافة مستوياته .



ونقسم هذا الفصل إلى مبحثين على النحو التالي :

المبحث الاول : المواجهة التشريعية الوطنية.

المبحث الثاني : المواجهة الدولية لغسل الأموال.

المبحث الاول
المواجهة التشريعية الوطنية

8.
تمهيد : عندما عرض مشروع قانون مكافحة غسل الأموال المصري على مجلس الشعب لمناقشته انقسم الأعضاء ما بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، أما الاتجاه المعارض فقد ذهب إلى أن القانون موجه إلى اقتصاد الدول النامية ويمثل تهديدا خطيرا للاستثمار في مصر خاصة انه لا توجد قاعدة بيانات عن حجم الأموال القذرة التي تدخل في عمليات غسل الأموال، كما حذر اصحاب هذا الرأي من سوء التطبيق والتوسع في الاشتباه والشكاوي الكيدية.

ومن ناحية أخرى إتجه المؤيدون إلى أن المشروع لا يتعارض مع الدستور أو القوانين الاخرى أو مبدأ سرية الحسابات، ولا يتناقض مع مبدأ التحرر الاقتصادي بل جاء مواكبا للاتجاه العالمي اذ أنه يحقق التوازن بين المصلحة الاقتصادية للبلاد وحماية المستثمرين من ناحية وتحقيق الاستقرار بين الجهات الاقتصادية والمالية المختلفة، فضلا عن أن القانون جاء متوازنا بحيث لا يمس بالحرية المطلقة لأصحاب الأموال في الإيداع أو السحب أو التحويل من البنوك.

وقال المتحفظون أن الوقت غير ملائم لإصدار القانون إذ قد يفسر على ارتداد عن سياسة التحرر الإقتصادي خاصة مع تناقض بعض احكامه مع قانون سرية الحسابات، كما أنه فيه عودة إلى مراقبة النقد الأجنبي مع مخاطر التمادي مع عمليات الاشتباه . وبصدور القانون رقم 80 لسنة 2002 بمكافحة غسل الأموال، تمثلت المواجهة التشريعية لغسل الأموال فيما يلي:

اولا: تحديد المؤسسات المالية المعنية بتنفيذ احكام هذا القانون وهي البنوك العاملة في مصر وفروعها في الخارج، وفروع البنوك الاجنبية العاملة في مصر، وشركات الصرافة والجهات الاخرى المرخص لها بالتعامل في النقد الاجنبي، والجهات التي تباشر نشاط تحويل الأموال، والجهات العاملة في مجال الاوراق المالية، والجهات العاملة في مجال تلقي الأموال، وصندوق توفير البريد والجهات التي تمارس نشاط التمويل العقاري وجهات التوثيق العقاري، والجهات التي تمارس نشاط التأجير التمويلي، والجهات التي تمارس أي نوع من انشطة التأمين وصناديق التأمين الخاصة وأعمال السمسرة في مجال التامين.

ثانيا: حدد المشرع الجرائم الأولية التي تعد الأموال الناتجة عنها محلا لنشاط غسل الأموال، وهي جرائم زراعة وتصنيع النباتات والجواهر والمواد المخدرة وجلبها وتصديرها والإتجار فيها، وجرائم اختطاف وسائل النقل واحتجاز الاشخاص والجرائم التي يكون الارهاب أو تمويله من بين اغراضها أو من وسائل تنفيذها، وجرائم استيراد الاسلحة والذخائر والمفرقعات والإتجار فيها وصنعها بغير ترخيص، والجنايات والجنح المضره بامن الحكومة من الخارج والداخل، والرشوة، واختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر، والمسكوكات والزيوف المزورة، والتزوير، وسرقة الأموال واغتصابها، وجرائم الفجور والدعارة، والجرائم الواقعة على الآثار، والجرائم البيئية المتعلقة بالمواد والنفايات الخطرة، والجرائم المنظمة التي يشار إليها في الاتفاقيات الدولية والتي تكون مصر طرفا فيها، وذلك كله سواء وقعت جريمة غسل الأموال أو الجرائم المذكورة في الداخل أو في الخارج بشرط أن يكون معاقبا عليها في كلا القانونين المصري والأجنبي.

وقد يبدو لأول وهلة أن المشرع قد نص على هذه الجرائم على سبيل الحصر، ولكن سرعان ما يتضح ان المشرع قد فتح المجال امام جرائم أخرى في المستقبل وهي الجرائم المنظمة التي يشار إليها في الإتفاقيات الدولية التي تكون مصر طرفا فيها، وهذا يعني أن أي جريمة منظمة أخرى يمكن ان تضاف إلى مصاف الجرائم الأخرى في المستقبل القريب أو البعيد سواء نصت عليها اتفاقية واحدة أو عدة إتفاقيات متتابعة بشرط ان تكون مصر قد وقعت عليها ونص في القانون المصري على معاقبتها.

ثالثا: اختص القانون النيابة العامة (بناء على طلب وحدة مكافحة غسل الأموال) بإتخاذ الإجراءات التحفظية المنصوص عليها في المواد 208 مكررا (أ)، 208 مكررا (ب)، 208 مكررا (ج) من قانون الإجراءات الجنائية، حيث نصت المادة الأولى منها على أن للنائب العام عند الضرورة أو في حالة الاستعجال ان يأمر مؤقتا بمنع المتهم أو زوجه أو أولاده القصر من التصرف في أموالهم أو إدارتها على أن يعرض أمر المنع على المحكمة الجنائية المختصة خلال سبعة أيام على الأكثر من تاريخ صدوره بطلب الحكم بالمنع من التصرف أو الإدارة وإلا إعتبر الأمر كأن لم يكن، ونظمت المادة التالية إجراءات ومواعيد التظلم من الأمر، وفي المادة الأخيرة نص على أن للمحكمة عند الحكم برد المبالغ أو قيمة الاشياء محل الجرائم أو بتعويض الجهة المجني عليها أن تقضي بناء على طلب النيابة العامة أو المدعي بالحقوق المدنية على حسب الأحوال وبعد سماع أقوال ذوي الشأن بتنفيذ هذا الحكم في أموال زوج المتهم وأولاده القصر إذا ثبت أنها آلت إليهم من المتهم وأنها متحصلة من الجريمة المحكوم فيها.

رابعا : ألزم القانون المؤسسات المالية المخاطبة بأحكامه، إخطار وحدة مكافحة غسل الأموال عن العمليات المالية التي يشتبه في انها تتضمن غسل أموال، وأوجب عليها وضع النظم الكفيلة بالحصول على بيانات التعرف على الهوية والأوضاع القانونية للعملاء والمستفيدين الحقيقيين من الأشخاص الطبعيين والاشخاص الاعتبارية، وذلك من خلال وسائل اثبات رسمية أو عرفية مقبولة، وتسجيل بيانات هذا التصرف، وحظر فتح حسابات أو ربط ودائع أو قبول أموال أو ودائع مجهولة أو بأسماء صورية أو وهمية.

كما الزم المؤسسات المالية بإمساك سجلات ومستندات لقيد ما تجرية من العلميات المالية المحلية أو الدولية تتضمن البيانات الكافية للتعرف على هذه العمليات، وعليها ان تحتفظ بهذه السجلات والمستندات وبسجلات بيانات العملاء والمستفيدين لمدة لا تقل عن خمس سنوات من تاريخ انتهاء التعامل مع المؤسسة أو من تاريخ قفل الحساب على حسب الأحوال، وعليها تحديث البيانات بصفة دورية وان تضع هذه السجلات والمستندات تحت تصرف السلطات القضائية والجهات المختصة بتطبيق احكام هذا القانون عند طلبها اثناء الفحص والتحري وجمع الإستدلالات أو التحقيق أو المحاكمة في اي من الجرائم الخاضعة لهذه الاحكام.

خامسا: أكد القانون حرية حركة النقد الأجنبي في الدخول إلى البلاد أو الخروج منها على أن يتم الاعلان عن مقدار هذا النقد عند الدخول إذا جاوز عشرين ألف دولار امريكي أو ما يعادلها وذلك على نموذج تعده وحدة مكافحة غسل الأموال وفقا للقواعد التي تضعها. وهذا الإجراء لا ينال من حرية التعامل بالنقد الاجنبي ولكنه مجرد قاعدة تنظيمية قصد منها تحديد حركة النقد الأجنبي الواردة من الخارج وما قد يلقي ظلالا من الشك على البعض منها في تحديد مصدرها.

سادسا: قرر القانون مسؤولية الشخص الاعتباري جنائيا وذلك بمعاقبة المسؤول عن إدارته الفعلية إذا ثبت علمه بالجريمة ووقعت بسبب إخلاله بواجبات وظيفته. ويكون الشخص الاعتباري مسؤولا بالتضامن عن الوفاء بما يحكم به من عقوبات مالية وتعويضات إذا كانت الجريمة التي وقعت بالمخالفة لأحكام هذا القانون قد ارتكبت من أحد العاملين باسم الشخص الاعتباري ولصالحه.

سابعا: ونظرا للصبغة الدولية لجرائم غسل الأموال، فقد نصت المادة 18 من القانون على أن تتبادل الجهات القضائية المصرية مع الجهات القضائية الأجنبية (التعاون القضائي) في مجال جرائم غسل الأموال وذلك بالنسبة للمساعدات والإنابات القضائية وتسليم المتهمين والمحكوم عليهم والاشياء، وذلك كله وفقا للقواعد التي تقررها الاتفاقيات الثنائية أو المتعددة الاطراف التي تكون مصر طرفا فيها أو وفقا لمبدأ المعاملة بالمثل. كما قرر القانون في المادة 20 منه على أنه يجوز للجهات القضائية المصرية المختصة أن تأمر بتنفيذ الاحكام الجنائية النهائية الصادرة من الجهات القضائية الأجنبية المختصة بمصادرة الأموال المتحصلة من جرائم غسل الأموال أو عائداتها، وذلك كله وفق القواعد والإجراءات التي تتضمنها الاتفاقيات الثنائية أو متعددة الاطراف التي تكون مصر طرفا فيها، كما يجوز إبرام اتفاقيات ثنائية أو متعددة الاطراف تنظم التصرف في حصيلة الأموال المحكوم نهائيا بمصادرتها في جرائم غسل الأموال من جهات قضائية مصرية أو أجنبية تتضمن قواعد توزيع تلك الحصيلة بين اطراف الاتفاقية وفقا للاحكام التي تنص عليها.

ثامنا: ساوى المشرع المصري بين الجريمة التامة والشروع في ارتكاب جرائم غسل الأموال بالعقاب عليها بالسجن مدة لا تتجاوز سبع سنوات وغرامة تعادل مثلي الأموال محل الجريمة، على أن يحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأموال المضبطة أو بغرامة إضافية تعادل قيمتها في حالة تعذر ضبطها أو في حالة التصرف فيها إلى الغير حسن النية.


المبحث الثامن
المواجهة الدولية لغسل الأموال

9.
تمهيد: لا شك ان جريمة غسل الأموال تعد من أخطر الجرائم الدولية المنظمة، وعلى المستوى الدولي يمكن ان يؤدي غسل الأموال إلى انتقال رؤوس الأموال من الدول ذات السياسات الاقتصادية الجيدة ومعدلات الفائدة المرتفعة إلى الدول ذات السياسات الاقتصادية الفقيرة ومعدلات الفائدة المنخفضة بما يضر بمصداقية الأسس الإقتصادية المتعارف عليها والتي يمكن لصانعي السياسة الاقتصادية الاستناد إليها، كما تؤثر عمليات غسل الأموال سلبا على استقرار أسواق المال الدولية وتهدد بإنهيار الاسواق الرسمية التي تعد حجر الزاوية في بناء اقتصاديات الدول .

وعلى ذلك بات التعاون الدولي في مجال مكافحة جرائم غسل الأموال امرا حتميا لا بديل عنه، واتجهت الدول تباعا إلى إصدار تشريعات خاصة بمكافحة جرائم غسل الأموال مستهدية في ذلك بالإتفاقيات الدولية التي عقدت في هذا الشان.

ولقد كان لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 الأثر العميق على صورة الاقتصاد العالمي، وجذبت أنظار المجتمع الدولي إلى تتبع مصادر تمويل الإرهاب الذي كان يعتمد في الغالب الاعم من تمويله على مصادرغير مشروعة، وكان لا بد من مراقبة حركة النقد الاجنبي في العالم، وتتبع مصادره، ومن بين وسائل المراقبة والتتبع مواجهة جرائم غسل الأموال، وعلى الرغم من ان تمويل الإرهاب ليس في حاجة إلى غسل أمواله بل يوجه المال غير المشروع مباشرة من مصدره إلى تمويل الإرهاب وتنفيذه، إلا انه مما لا شك فيه أن تتبع المصدر في حد ذاته وهو أحد وسائل مكافحة غسل الأموال يؤدي في نفس الوقت إلى تضييق الخناق على حركة أموال الإرهاب.

10.
الأسس التي قامت عليها المواجهة الدولية:

وقد اتجهت الإتفاقيات الدولية إلى مكافحة غسل الأموال من خلال عدة محاور لعل أهمها ما يلي:

أولا محاصرة مناطق غسل الأموال، وهي مناطق مفتوحه لحركة الأموال دون رقابة تذكر ويتوافر لها سرية الأعمال المالية في البنوك والمصارف، وهو مناخ مناسب تماما لغسل الأموال، ومن المناطق التقليدية لعمليات غسل الأموال سويسرا وموناكو وجبل طارق على حدود أسبانيا ولوكسمبورج، وسنغافورا وهونج كونج وتايوان وبرمودا وبنما وجزر البهاما، وفي التسعينات ظهرت مناطق أخرى مستحدثة في اليونان ودول الاتحاد السوفيتي المنحل وجزيرة كيمانز وجزر القنال الإنجليزي وجزر ماتواتو في المحيط الهندي .

ثانيا: وضع سياسة صارمة للنظام المصرفي يمنع إستخدامه في عمليات غسل الأموال تحت شعار (اعرف عميلك) وذلك بحصول المؤسسات المالية على بيانات دقيقة عن صاحب الحساب ومعرفة مصادر دخله ونشاطه المالي الذي يمارسه، وتكليف البنوك والمؤسسات المالية المختلفة عن كل عملية مصرفية تزيد قيمتها عن حد معين لتتخذ الإجراءات الكفيلة في البحث والتحري عن مصدر هذه الأموال.

ثالثا: توافر التعاون بين الجهات الرقابية المختصة بملاحقة غسل الأموال وبين المؤسسات المالية في كشف اي عملية يشتبه انها تجري لغسل الأموال وهذا التعاون يحمل في طياته نوعا من الرقابة على المؤسسات المالية وذلك من خلال مجموعة من الالتزامات عليها تنفيذها، ووضعها امام الجهات الرقابية بصفة دورية حتى يمكن أن تتبع الأموال التي قد تشتبه في مصدرها.

رابعا: التعاون الدولي سواء في تبادل المعلومات أو ضبط الجرائم أو تسليم المجرمين أو تنفيذ الأحكام أو مصادرة الأموال المغسولة، وهذا كله يتوقف على الاتفاقيات الدولية الثنائية أو متعددة الأطراف التي تتيح كل أوجه التعاون في مختلف المجالات طبقا لقواعد وإجراءات تتفق عليها الدول الاطراف في الاتفاقيات وتتعهد بتضمينها في تشريعاته الداخلية.

11.
مواجهة الجرائم الإلكترونية:

إلا أن جريمة غسل الأموال لم تقف عند حد السلوك التقليدي الذي يتبعه الجناة بالطرق اليدوية المعروفة، بل اتجه – كما قدمنا – إلى منحى جديد يواكب التطور المذهل الذي شهده العالم في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فأصبح من الممكن عملا غسل الأموال عن بعد، وذلك بتحريك المال من حساب إلى حساب ومن قارة إلى قارة أخرى عن طريق الإستعانة بأجهزة الحاسب الآلي المتصلة بشبكة الإنترنت، ومن ناحية أخرى اصبح الإستعمال الشائع للبطاقات الممغنطة أمرا مساعدا لإخفاء مصدر المال دون الاستعانة المادية المباشرة بالبنك الذي اودع فيه المال، ويمكن السحب عن بعد إلكترونيا الرصيد المودع في الدولة الأصلية.

وكان لا بد من مواجهة دولية لجرائم غسل الأموال التي تتم عن بعد عبر الوسائط الإلكترونية، ذلك ان إستخدام التكنولوجيا قد نقل هذه الجرائم من مصاف الجرائم المحلية إلى مصاف الجرائم الدولية المنظمة، وقد عقد المؤتمر الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين تحت مظلة الأمم المتحدة عام 1990 في هافانا محذرا من جرائم الحاسب الآلي وأوصي بضرورة اتخحاذ التدابير الملائمة لتوفير الامن للمعاملات التي تتم عن طريق الحاسب الآلي، وفي عام 2000 صدر إعلان فينا بشأن الجريمة والعدالة – مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين وأوصى بضرورة العمل على وضع سياسة علمية لمنع ومكافحة الجرائم ذات الصلة بالحاسب الآلي وملاحقتها دوليا .

والجدير بالذكر أن جريمة غسل الأموال التي ترتكب بالوسائط الإلكترونية ليست هي الجريمة الوحيدة التي تستخدم فيها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بل هي أحداها، ومن ثم كان الاهتمام بالجرائم التي ترتكب بواسطة الحاسب الآلي تنطوي تلقائيا على جريمة غسل الأموال. وقد وضع المجلس الأوروبي مشروعا لاتفاقية تتعلق بجرائم الحاسب الآلي وحث الدول المتعاقدة على اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمواجهتها سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. ويمكن مواجهة جرائم غسل الأموال التي تقع عبر الوسائط الإلكترونية من خلال المحاور الاتية:

أولا: التعاون الدولي في مجال تبادل المعلومات:

وهو أمر بات حتميا، فالجريمة الإلكترونية بحسب طبيعتها هي جريمة تتم عبر الحدود، فضلا عن أن طبيعة الأموال المغسولة بحسب مصدرها غير المشروع لا بد أن تهرب عبر الحدود ولا تظهر في ذات المكان الذي وقعت فيه الجريمة الأولية.

وقد وجدت على الساحة الدولية عدة هيئات تتولى التعاون الدولي في مجال جرائم مكافحة غسل الأموال، ففي عام 1992 تم توقيع اتفاقية ماستراخت التي نصت على إنشاء هيئة الايروبل Europol ، وهي هيئة معلومات بدا نشاطها عام 1994 لمكافحة الإتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة، ووقعت عام 1995 إتفاقية الايروبل وذلك بهدف تأكيد التعاون الدولي في مكافحة الاشكال الخطيرة للاجرام الدولي ومنها جرائم غسل الأموال وفي فرنسا انشأت هيئة تراسفين Tracfin بموجب القانون الصادر في 12 يوليو 1990 وهي إحدى هيئات وزارة الاقتصاد والمالية تختص بتلقي المعلومات من المؤسسات المالية ، ثم تحليلها وإستخلاص النتائج فيما يتعلق بجرائم غسل الأموال واذا اسفرت عن جريمة غسل أموال فإنها تخطر النائب العام الذي يتولى اتخاذ الاجراءات اللازمة في هذا الشأن. وفي إنجلترا تم إنشاء وحده مالية تختص بتتبع غسل الأموال ذات المصدر غير المشروع وتهريب المخدرات أطلق عليها NCIS وهي إدارة معلومات لعمليات مشتبه فيها وتحليلها وتتولى الشرطة ضبطها .

كما أنشئت في البرتغال على غرار هذه الهيئات، هيئة DCCCFIEF وهي الإدارة المركزية لمكافحة الفساد والتحايل والجرائم الاقتصادية والمالية، وفي بلجيكا هيئة CTIF انشئت عام 1993 وهي وحدة لمعالجة المعلومات المالية، وفي هولندا هيئة MOT عام 1993، وفي مصر وحدة مكافحة غسل الأموال عام 2002.

ولكن حتى يحقق تبادل المعلومات بين الدول الهدف المرجو منه فلا بد أن تتوافر الشروط الآتية:

1.
أن يتوافر لهذه المعلومات دقة المصدر، وهذا يفترض وجود هيئات دولية تتلقى المعلومات وتطهرها من شبهة الكيد أو المبالغة وذلك بالاستعانة بأجهزة متخصصة تكون مهمتها تحليل المعلومات وتتبعها والتأكد من صحتها، حتى تصبح معلومات نقية يمكن ان تبنى على اساسها الجهات الرقابية المتخصصة في مكافحة غسل الأموال محليا ودوليا خطة تعقبها ومواجهتها وضبطها في سهولة ويسر.

وهذا الامر يقتضي بالضرورة تلقي المعلومات التي يكون مصدرها أشخاص متطوعون أو مجهلون بكل حرص وحذر، ذلك أنه من النادر ان يكون هذا النوع من المبلغين يهدفون إلى تحقيق المصحلة العامة بل قد يكون الدافع غير ذلك، وتؤدي بلاغاتهم إلى الاساءة إلى الاخرين وتشتيت الجهد والوقت في تتبع معلومة قد تكون بعيدة كل البعد عن الحقيقة، لذلك فإن المعلومات التي تستحق التتبع والتنقيب هي تلك التي تصدر عن مؤسسات مالية تكون مختصة بحكم طبيعة عُمْلَها بتلقي الأموال خاصة تلك التي يكون مصدرها خارج البلاد، وتملك بحكم الممارسة العملية التمييز بين الأموال ذات المصدر المشروع وتلك ذات المصدر غير المشروع حتى ولو كان ذلك من قبيل الاشتباه، فتكون معلوماتها جديرة بالبحث للوقوف على حقيقة الامر.

وقد أكدت اتفاقية المجلس الاوروبي المنعقدة في ستراسبورج عام 1995 على حق كل الدول الاعضاء في الاتفاقية ان تطلب من بعضها البعض المعلومات اللازمة التي تساعدها في كشف جرائم غسل الأموال المتحصلة من جرائم تمت على إقليمها .

2.
أن تتوافر وحدة الهيئة التي تتلقى المعلومات، ذلك أن تعدد الجهات داخل الدولة الواحدة لتلقي المعلومات يخلق نوعا من تضارب عمليات البحث والتحري والنتائج وتؤدي إلى تشتت الجهود بغير طائل . هذا فضلا عن أن تعدد الجهات وتشعبها ينال من سرية عمليات البحث والتتبع، وهو أمر يتعين المحافظة عليه، فمجرد شعور صاحب المال أن ماله محل شبهة امر يؤدي إلى هزة عنيفة في مجال الاستثمار أو الادخار، ويؤدي بالقطع إلى هروب رؤوس الأموال المشروعة الواردة من الخارج سواء اكانت لأجانب أو لمواطنين من الدخول إلى دائرة الاقتصاد القومي مما يؤثر سلبا على خطط التنمية الوطنية.


3.
أن يتوافر لدى الهيئة المركزية لتلقي المعلومات الإمكانات الكفيلة بإقامة العلاقة بين المال المغسول والجريمة التي تحصل فيها، وهذا يقتضي بطبيعة الحال إقامة التنسيق والتعاون الكاملين بين هذه الهيئة وبين الجهات المكلفة بضبط هذه الجرائم، وعلى سبيل المثال فإن جريمة الإتجار في المواد المخدرة هي أحدى الجرائم التي تنتج عنها الأموال القذرة، فإنها اشتبهت الهيئة المركزية لتلقي المعلومات في مال على انه ناتج عن هذه الجريمة، فعلى الجهة الشرطية المكلفة بمكافحة جرائم المخدرات أن تقدم كل عون ومساعدة من معلومات وسجلات تحت يدها إلى الهيئة المذكورة.

ثانيا: مواكبة الرقابة على النظام المصرفي لتطور الجرائم الإلكترونية:

ومن المقرر ان مواجهة أي جريمة لا بد أن يواكب أسلوب ارتكابها واذا كان الجناة في جرائم غسل الأموال قد اتجهوا إلى ارتكاب جرائمهم عن طريق الوسائط الإلكترونية واهمها استعمال الحاسب الآلي وشبكة الإنترنت وبرامج الإختراق التي يمارسها الجناه لحسابات البنوك والقدرة على التلاعب بها ونقلها وتحويلها عن بعد، فلا بد أن تستعمل الاجهزة المصرفية الانظمة المضادة لهذا الاختراق، وان تراقب حركة الحسابات إلكترونياً سواء حركات السحب أو الايداع أو التحويل أو النقل من الداخل أو الخارج أو العكس. ولا شك ان مواجهة جرائم الحاسب الآلي ما تزال غير كافية في القانون المصري، ذلك ان الجرائم المعلوماتية تعد من الجرائم الاقتصادية المستحدثة حيث يوظف الحاسب الآلي في الاعتداء على أموال الاخرين من خلال شبكات المؤسسات المالية سواء في مرحلة إدخال المعلومات أو في مرحلة الاخراج.

*
ثالثا: جاء في التوصيات الاربعين بأنه يجب الا تؤخذ قوانين سرية الحسابات بالمؤسسات المالية على أنها حائل دون تنفيذ توصيات هذه المجموعة . ذلك أن قوانين سرية الحسابات البنكية تحظر على المؤسسات المالية الافصاح عن عملائها، وضبط جرائم غسل الأموال لا يتحقق الا بهذا الافصاح وذلك بالاخطار عن كافة العمليات المشتبه فيها إلى السلطات المختصة، ويمكن القول بأن حق العميل في سرية حسباته ليس حقا مطلقا شأنه في ذلك شأن كل الحقوق – وإنما هو حق مقيد بقيد المشروعية، وهو قيد لا يخشاه العملاء اصحاب المصادر المشروعة ومن ثم فإن العميل النظيف لا يهتم بتتبع عمليات غسل الأموال فهو غير مخاطب بها وإنما يطالب بالحق المطلق في السرية هو من يخشى كشف مصدر أمواله وهو عميل غير مرغوب فيه.

المراجــع

اولا باللغة العربية:

1.
د. محمود نجيب حسني:

شرح قانون العقوبات القسم العام (النظرية العامة للجريمة) 1963.

2.
د. هدى حامد قشقوش:

جريمة غسيل الأموال في نطاق التعاون الدولي 2003.

3.
د. مدحت عبد الحليم رمضان :

الحماية الجنائية الإلكترونية – 2001.

4.
د. محمد حسام محمد لطفي:

الاطار القانوني للمعاملات الإلكترونية 2002

5.
لواء عصام إبراهيم الترساوي:

غسيل الأموال 2002

6.
المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002.

7.
الأعمال التحضيرية لمناقشة قانون غسل الأموال مجلس الشعب المصري.

ثانيا – باللغة الفرنسية

1.
فقه :

1. Thony Jean (Francois) les politiques législative de lutte contre le blanchement en Europ., Rev. Pen. Et dr. Pen. No 4 Oct. Des 1997.
2. Herail Jean (Louis). Patrik Ramael, Blanchement d'argent et crime organise, la dimension juridique criminel et internationale 1996.
3. tony Jean Francois les mécanismes de traitement de l'information financière en maître de blanchement de l'argent Rev. De Dr. Pen. Et de criminel. Nov. 1996.
2.
إتفاقيات:

1. Convention des Nations unies contre le trafic illicite de stupéfiants et de substances psychotropes – Vienne 1988.
2. GAFI, les quarante recommandations, Mai 1990.
3. Modèle de législation, programme des Nation Unies pour le contrôle international des drogues (PNUCID), Modèle relative au blanchement de l'argent de la drogues 1995.
4. Traite de l'union européenne (le traite de Maustict) 1992.
5. Conseil de l 'Europe, Strasbourg, 1995, No 1990 convention malt ive au blancement

الهدف من الملتقى
ملتقى نظام هيئة التحقيق السعودي
ملتقى مجموعة الأنظمة السعودية
ملتقى انظمة ولوائح الحكم السعودي
ملتقى الانظمة واللوائح القضائية والجنائية السعودي
ملتقى الانظمة واللوائح التجارية والصناعية  السعودي
ملتقى الانظمة واللوائح الادارية والعسكرية السعودي
ملتقى الانظمة واللوائح المالية السعودي
ملتقى الانظمة واللوائح الاعلامية السعودي
ملتقى الانظمة السعودية باللغةالانجليزية
ملتقى الانظمة العربية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

انت الزائر رقم

Hit Counter

05-09-1428 08:03:28 م